أبي منصور الماتريدي
11
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
نعت محمد صلّى اللّه عليه وسلم وغير ذلك . أو عالم ما غيبتم في أنفسكم وأسررتم من تكذيبكم بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم وما أشهدتم عليه ضعفتكم وأتباعكم من نهيكم إياهم عن اتباعه . وقوله - عزّ وجل - : فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . إما عيانا تقرءونه في كتابكم يوم القيامة ، أو ينبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء إن خيرا فخير وإن شرّا فشر ، والله المستعان . قوله تعالى : [ سورة الجمعة ( 62 ) : الآيات 9 إلى 11 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ( 9 ) فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 10 ) وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ( 11 ) وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ، هذا السعي يحتمل وجهين : أحدهما : أن أقبلوا على العمل الذي أمرتم به وامضوا فيه . والثاني : واسعوا في المشي وأسرعوا ، لأن السعي في المشي هو السرعة فيه ، والسعي في الأعمال هو الإقبال عليها والمبادرة إليها ، فإن كان المراد من هذا السعي في المشي فخروج الآية مخرج الترهيب والتضييق ؛ ألا ترى إلى قوله : وَذَرُوا الْبَيْعَ كيف أمرك بترك البيع وقد يمكن البيع في حال المشي ، وإلى قوله : فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ كيف أمر بالانتشار في الأرض بعد الفراغ من الفريضة دون أن يذكر هنالك شيئا في أدائها ، ولو كان المراد منه الترغيب ، لكان يأمره بالعدو إليها ؛ فدلت هذه المعاني أن تخرج الآية على الترهيب والتضييق ، وإن كان السعي في سائر الصلاة المفروضة غير مندوب إليه ؛ على ما روي عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إذا أتيتم الصلاة فأتوها وأنتم تمشون ، ولا تأتوها وأنتم تسعون ، عليكم بالسكينة والوقار ، وما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا » « 1 » فاختص الجمعة به ؛ لما ذكرنا من التضييق هاهنا والتوسيع في سائر الصلاة ، ولكن الأشبه أن المراد من السعي هو الإقبال على أدائها والتأهب لها والمبادرة إليها ، والسعي مستعمل في هذا ؛ قال الله تعالى : وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ
--> ( 1 ) أخرجه البخاري ( 2 / 390 ) كتاب الجمعة ، باب : المشي إلى المساجد ( 908 ) ومسلم ( 1 / 420 - 421 ) كتاب المساجد ، باب : استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة ( 251 / 602 ) من حديث أبي هريرة بلفظ : « إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وأتوها تمشون ، عليكم السكينة ، فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا » .